ابن عربي

330

الفتوحات المكية

هنا سر خفي في قوله عناني فأفرد وما أعطى لهؤلاء المحبوبين من نفسه أعنة مختلفة فدل أن هذا المحب وإن كان مركبا فما أحب إلا معنى واحدا قام له في هؤلاء الثلاثة أي ذلك المعنى موجود في عين كل واحدة منهن والدليل على ذلك قوله في تمام البيت وحللن من قلبي بكل مكان فلو أحب من كل واحدة معنى لم يكن في الأخرى لكان العنان الذي يعطي لواحدة غير العنان الذي يعطي الأخرى ولكان المكان الذي تحله الواحدة غير المكان الذي تحله الأخرى فهذا واحد أحب واحدا وذلك الواحد المحبوب موجود في كثيرين فأحب الكثير لأجل ذلك وهذا كحبنا الله تعالى له ومنا من يحبه لنفسه ومنا من يحبه للمجموع وهو أتم في المحبة لأنه أتم في المعرفة بالله والشهود لأن منا من عرفه في الشهود فأحبه للمجموع ومنا من عرفه لا في الشهود ولكن في الخبر فأحبه له ومنا من عرفه في النعم فأحبه لنفسه ومنا من أحبه للمجموع وذلك أن الشهود لا يكون إلا في صورة والصورة مركبة والمحب ذو صورة مركبة فيسمع من وجه فيحبه للخبر مثل قوله على لسان نبيه هل واليت لي وليا أو عاديت في عدوا فإذا أحببت الأشياء من أجله وعاديت الأشياء من أجله فهذا معنى حبنا له ليس غير ذلك فقمنا بجميع ما يحبه منا أن نقوم به عن طيب نفس ويكون من لا يشاهده من صورتي في حكم التبع كما هي الجوارح منا وحيوانيتنا بحكم النفس الناطقة لا تقدر على مخالفتها لأنها كالآلات لها تصرفها كيف تريد في مرضاة الله وفي غير مرضاته وكل جزء من جوارح الإنسان إذا ترك بالنظر إلى نفسه لا يتمكن له أن يتصرف إلا فيما يرضى الله فإنه له وجميع ما في الوجود بهذه المثابة إلا الثقلان وهو قوله وإن من شئ إلا يسبح بحمده يريد بذلك التسبيح الثناء على الله لا للجزاء لأنه في عبادة ذاتية لا يتصور معها طلب مجازاة فهذا من حبه له سبحانه إلا بعض النفوس الناطقة لما جعل لها في معرفة الله القوة المفكرة لم تفطر على العلم بالله ولهذا قبض عليها في قبض الذرية من ظهورهم وأشهدهم على أنفسهم شهادة قهر فسجدت لله كرها لا طوعا من أجل القبض عليها ثم أرسلها مسرحة من تلك القبضة الخاصة وهي مقبوض عليها من حيث لا تشعر فتخيلت أنها مسرحة فلما وجدت مدبرة لهذا الهيكل المظلم جرت في الأمور بحسب ما يعطيها غرضها لا تحب من الأمور إلا ما يلائم طبعها وغفلت عن مشهد الإقرار بالربوبية عليها لموجدها فبينا هي كذلك إذ قالت لها القوة المفكرة جميع القوي قد استعملتها وغفلت عني وتركتني وأنا من بعض آلاتك وما لك بي عناية فاستعمليني فقالت لها نعم لا تؤاخذيني فإني جهلت رتبتك وقد أذنت لك في التصرف فيما تعطيه حقيقتك حتى أتحقق بما أنت عليه فأصرفك فيه وأستعملك فقالت سمعا ثم ردت وجهها القوة الفكرية إليها كالمعلمة وقالت لها لقد غفلت عن ذاتك وعن وجودك أنت لم تزالي هكذا موجودة لذاتك أو لم تكوني ثم كنت قالت النفس لم أكن ثم كنت قال الفكر فهذا الذي كونك عينك أو غيرك فكري وحققي واستعمليني فلهذا العمل أنا ففكرت النفس فعلمت بما أعطاها الدليل أنها لم توجد عينها وأنها موجودة لغيرها فالفقر للموجد لها ذاتي بما تجده في نفسها مما يقوم بها من الآلام الطبيعية فتفتقر إلى الأسباب المعتادة لإزالة تلك الآلام فبذلك الافتقار علمت أنها فقيرة في وجود عينها للسبب الموجد لها فلما ثبت لها حدوثها وثبت أن لها سببا أوجدها ثم فكرت فعلمت إن ذلك السبب لا ينبغي أن يشبهها فيكون فقيرا مثلها وإنه لا يناسب هذه الأسباب المزيلة لآلامها لمشاهدتها حدوث هذه الأسباب بعد أن لم تكن وقبولها للاستحالات والفساد فثبت عندها أن لها موجدا أوجدها وأوجد كل من يشبهها من الحوادث والأسباب المزيلة لآلامها فتنبهت أن ثم أمرا ما لولاه لبقيت ذات مرض وعلة فمن رحمته بها أوجد لها هذه الأسباب المزيلة آلامها وقد كانت تحب هذه الأسباب وتجري إليها بالطبع فانتقل تعلق ذلك الحب في السبب الموجد تلك الأسباب وقالت هو أولى بي إن أحبه ولكن لا أعلم ما يرضيه حتى أعامله به فحصل عندها حبه فأحبته لما أنعم عليها من وجودها ووجود ما يلائمها وهنا وقفت وهي في ذلك كله غافلة ناسية إقرارها بربوبية موجدها في قبضة الذر فبينا هي كذلك إذ جاءها داع من خارج من جنسها ادعى أنه رسول من عند هذا الذي أوجدها فقالت له أنت مثلي وأخاف أن لا تكون صادقا فهل عندك من يصدقك فإن لي قوة مفكرة بها توصلت إلى معرفة موجدي فقام لها بدليل يصدقه